رسائل ردع أم استعداد للحرب؟ فتح باب التطوع يعيد العراق إلى دائرة الخطر
مع احتدام التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، وتلويح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخيارات عسكرية، دخل العراق مرة أخرى دائرة القلق بعد إعلان فصائل مسلحة فتح باب التطوع لما وصفته بـ”الدفاع عن إيران”، في خطوة تؤشر انتقال الخطاب من التضامن السياسي إلى الاستعداد الميداني، بما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز الداخل العراقي.
ومنذ أيام تشهد بغداد وعدد من مدن جنوب ووسط العراق فعاليات نظمتها فصائل وقوى سياسية موالية لإيران، تضمنت فتح مكاتب لتسجيل متطوعين للقتال في حال تعرض طهران لهجوم عسكري، إذ أظهرت مقاطع وصور بثتها منصات تابعة لتلك الفصائل ارتداء أكفان بيضاء وتنظيم مسيرات رمزية، فضلاً عن تعبئة استمارات تحمل بيانات شخصية للمتطوعين.
ويقول الخبير الأمني عبدالغني الغضبان، في حديث:إن “تصاعد خطاب التطوع والظهور بمظاهر قتالية علنية يؤشر حالة انفلات في الخطاب السياسي أكثر مما يعكس موقفاً عملياً قابلاً للتنفيذ، كما أن هذه المشاهد تضع الدولة في موقع حرج أمام الرأي العام الداخلي والخارجي على حد سواء”.
ويضيف الغضبان، أن “طرح شعارات القتال المسبق، قبل اتضاح مسارات التهدئة أو التفاهمات الدولية، يخلق تناقضاً خطيراً في الخطاب، ويضع أصحاب هذه الدعوات أمام اختبار سياسي وأخلاقي في حال انتهت الأزمات بتسويات لا تفضي إلى المواجهة”، متسائلاً عن “كيفية تبرير هذه المواقف أمام الشارع العراقي لاحقاً، في ظل أزمات داخلية ضاغطة يفترض أن تكون أولوية المعالجة”.
وعلى الرغم من اتساع نطاق الفعاليات وتداول صور تسجيل المتطوعين على نطاق واسع، لم تصدر الحكومة العراقية حتى الآن أي توضيحات رسمية بشأن طبيعة هذه التحركات أو سقف التعامل معها، ما فتح باب التأويلات حول قدرة الدولة على ضبط الأوضاع، وحدود الفصل بين النشاطات الرمزية والتحرك الميداني الذي قد يترتب عليه التزامات سياسية وأمنية.
وأبرز الفصائل التي أعلنت فتح باب التطوع بشكل صريح هي كتائب حزب الله، وحركة النجباء، في حين اكتفت منظمة بدر بإصدار بيانات سياسية تؤكد دعمها لإيران دون الإعلان عن إجراءات تعبئة ميدانية أو تسجيل متطوعين.
وفي ظل تضارب التقديرات بشأن مآلات التصعيد، تتجه الأنظار إلى طبيعة الصراع المحتمل في حال تطورت المواجهة بين واشنطن وطهران، وسط حديث متزايد عن أدوات غير تقليدية للحرب، تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، وهو مشهد يفتح باب التساؤل حول جدوى التحركات التعبوية الحالية، وما إذا كانت تنسجم مع شكل المواجهة المتوقعة أو تذهب في مسار مغاير لها.
في الأثناء، يرى الباحث والأكاديمي عصام الفيلي، خلال حديث: أن “فتح باب التطوع من قبل بعض الفصائل يندرج عملياً ضمن سياق التعبئة والاستعداد المسبق لسيناريوهات محتملة، ولا يمكن فصله عن مخاوف هذه الجهات من تطورات قد تستهدف إيران أو تفتح ثغرات أمنية”.
ويضيف الفيلي، أن “هذا النوع من التحركات يُقرأ بوصفه رسالة دعم معنوي وسياسي أكثر من كونه استعداداً لحرب تقليدية، خصوصاً في ظل إدراك واسع بأن أي مواجهة محتملة لن تكون عسكرية مباشرة بقدر ما ستكون قائمة على أدوات غير تقليدية، وفي مقدمتها الحرب السيبرانية والتقنية”.
ويوضح أن “الفصائل المسلحة تميل تاريخياً إلى إبقاء حالة الجاهزية قائمة، باعتبارها جزءاً من عقيدتها التنظيمية، سواء تحققت المواجهة أم لم تتحقق، ما يؤكد أن الإعلان عن متطوعين يأتي في هذا الإطار بوصفه رسالة ردع وتحذير موجهة للأطراف المقابلة، وقد تتجاوز تداعياتها الساحة العراقية في حال تطور الصراع إقليمياً”.
وتحذر قراءات سياسية وأمنية من أن استمرار هذا النوع من التعبئة قد ينعكس مباشرة على الشأن العراقي، عبر زيادة مستوى التدقيق الدولي في سلوك الدولة وقدرتها على ضبط الفصائل المسلحة، كما يخشى أن تُفسر هذه التحركات في الخارج على أنها مؤشرات على تآكل مبدأ حصرية السلاح وازدواج القرار الأمني، بما قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية ودبلوماسية إضافية، أو تشديد في المواقف الدولية تجاه بغداد، في وقت يسعى فيه العراق إلى تثبيت موقعه كطرف متوازن وتفادي الانخراط في صراعات المحاور.
في المقابل، يؤكد المتحدث السابق باسم حركة حقوق، علي فضل الله، في حديث:أن “فتح باب التطوع من قبل بعض الفصائل لم يكن خطوة شكلية أو رمزية، بل يأتي في إطار قناعة راسخة لدى هذه الجهات بأن الخطر الذي يهدد الجمهورية الإسلامية لا يقتصر على إيران وحدها، بل يمتد ليشمل المنطقة بأكملها، ولا سيما العراق”.
ويتابع فضل الله، أن “رد الجميل يشكل دافعاً أساسياً لهذا التوجه، في إشارة إلى الدور الذي لعبته إيران في دعم العراق خلال محطات مفصلية، خصوصاً عام 2014، عبر تقديم السلاح والدعم عندما كان البلد يواجه تهديد تنظيم داعش، وهو دعم أسهم في منع انهيار الوضع الأمني آنذاك”.
ويشير إلى أن “الواجب الأخلاقي والشرعي يفرض الاصطفاف مع إيران في حال تعرضها لأي هجوم”، لافتاً إلى أن “الخطاب الأمريكي الحالي، يتجاوز المصالح السياسية والاقتصادية، ويتجه نحو مقاربة ذات بعد ديني وعقائدي”، معتبراً أن “فتح باب التطوع يهدف إلى ضخ دماء جديدة تمتلك القناعة والاستعداد للتضحية، مع إدراكها لحجم المخاطر المحتملة”.
وبحسب عضو المكتب السياسي لحركة النجباء، فراس الياسر، فإن “أي استهداف لإيران سيجر المنطقة إلى مواجهة أوسع تشمل دول الخليج والعراق”، متوقعاً في تصريح صحفي أن يكون الرد الإيراني “غير مألوف”، سواء من حيث طبيعة الأهداف أو القواعد المستهدفة، مؤكدا أن “دور المقاومة في العراق سيكون محوريا في الدفاع عن أمن واستقرار المنطقة وأن إضعاف إيران يمثل مرحلة تمهيدية لاستهداف العراق مستقبلا”.
